
اغتموا إلى أعماق البحر الغامضة، حيث كائنات فريدة تأقلمت لحياة في ظروف قاسية
ابدأ التمرير
يمتد البحر العميق على معظم قاع البحر—في خليج إيلات وفي العالم—لكننا نعرف عنه القليل. يصعب استكشافه بلا وصول وبلا ضوء. التقنيات القليلة المعقّدة والباهظة التي تصل تُظهر بحرًا عميقًا يعج بكائنات غريبة ومميّزة تعلّمت العيش مع سلسلة تحديات.
من عمق 200 متر وحتى نحو 700 متر تحت السطح (في القطاع الإسرائيلي من خليج إيلات).
قرش إياغو، مرجان أسود، فانوس شتاينتس، قنفذ قلب «ساحر إيلات»، وزوبلانكتون غزير يقضي ساعات النهار هنا في العمق.
يدعم البحر العميق تنوعًا بيولوجيًا مميزًا ومثيرًا؛ يزود مغذيات أساسية وزوبلانكتونًا، ويشدّ موائل بحرية أخرى. الأعماق مهمة جدًا لل«طوابق العليا»—المنطقة الضحلة المضيئة.

في مكان ما في أعماق المحيط، مئات أو آلاف الأمتار، يوجد كون مجهول. لا دورة غطس تأخذكم هناك مهما أكملتم شهادات. لكن لنفترض أنها تستطيع.
تهبطون مئات الأمتار. الضغط من فوق—وزن الماء—يسحق. ليل أم نهار؟ أشعة الشمس لا تصل لتعلن صباحًا. من حولكم ظلام بلا نهاية.
وماذا تأكلون؟ لا نباتات—لا عشب بحر ولا طحالب. تتساقط رقاقات ثلج بحرية صغيرة من فوق: بقايا كائنات عاشت في الأعلى تتفتت هنا—منّ من الطبقة العليا.
لستم وحدكم. بين حين وآخر يلمع بريق—هنا ثم هناك. وميض أخضر، ومضات—كائنات وجدت طريقًا للبقاء في الدياجير. دخلتم لغزًا هائلاً لا يزال البشر يحاولون فكه.
مرحبًا بالبحر العميق—حيث ينتهي الضوء ولا تنتهي التحديات—200 متر فما دون تحت السطح. ليس الأخ الداكن فقط بين الموائل؛ هو المهيمن: يغطي نحو ثلثي سطح الأرض وأغلب حجم المحيط، ويبقى غامضًا—نُقَسّم نحو واحد بالمئة فقط. نعرف وجه القمر أكثر من قاع الأعماق. لماذا؟ بخلاف موائل أخرى، لا وصول سهل ولا غطس إلى هذه الأعماق. تقنيات حديثة وباهظة—روبوتات ومسحًا بالصوت والضوء—تعدّل الصورة قليلًا، لكننا ما زلنا نتحسّس الظلمة كالأعماق نفسها.
الأسرار تنكشف ببطء، لكن القليل كشف عالمًا جميلًا وحيويًا—من قرش وحبّار عملاق إلى كائنات تعيش على الميليمتر؛ غابات مرجانية ثلاثية الأبعاد تمنح مأوى ومغذيات ومخاضًا لحياة البحر؛ أخدودات تحت الماء مهيبة تعج بالحياة ومفاجآت لا نعرف بعد أنها هناك.

ماذا نعرف عن أعماق خليج إيلات؟ أقل. مسوح روبوتات سابقة وصلت نحو 250 م فقط. مسح أسماك في إيلات وسيناء—شباك وفخاخ، أقل أناقة—وصل 900 م. الغنيمة؟ وفرة—منها ثمانية أنواع قرش في شمال الخليج. واو.
أحدها قرش إياغو، مشهور البحر الأحمر—حتى نكتشف البقية. مؤخرًا كسر العادة وزار الضحلة؛ لا تقلقوا—رغم الاسم من «أوتيلو»، ليس خطرًا على البشر.
على القائمة عشرات الأسماك من الأعماق، بينها شفنين بمظهر طائرة ورقية—جسم مسطح وزعانف «أجنحة» وذيل معلّق؛ سنلتقي باثنين عند «هندسة كهربائية في الأعماق».

انتقلوا إلى 2006: خضع قاع إيلات لمسح سونار شامل لرسم التضاريس—حان الوقت! ظهرت ثلاثة أخدودات مذهلة في أعماق إيلات: واحد عريض في الشمال الغربي (نحو الشاطئ الشمالي—فنادق وشواطئ وعشب بحر) واثنان ضيقان وحادّان في الجنوب.
الأخدودات تحت الماء—مكافئ مائي لما يعرفه اليابسة من أخدودات وديان ضيقة—منحدرات حادة وضيقة وهبة للحياة: العمق والتيار يجمعان جزيئات غذاء وعوالق لكائنات كثيرة.
الشقوق بيوت—مع مساحة محمية—لديدان وقشريات ورخويات وغيرها.
الأخدودات أيضًا «طريق 6» لحفلات ليل البحر: جموع تصعد كل غروب لوجبة ليلية في الضحلة، ثم تغوص مع أول ضوء إلى أعماق مظلمة آمنة.
ماذا بعد؟ مسح أخدودي كبير وطموح للمعهد بين الجامعات يستعد لاستكشاف الحياة حتى 700 م تحت السطح.
بماذا يواجه أبطال الأعماق؟ بل بماذا لا؟ لنبدأ بأول ما «تراه»—لا ترى. لا شيء. لا شيء. ظلام دامس. في المياه الضحلة تخترق الشمس؛ عشرات الأمتار فتصبحون في الشفق. أعمق فأعمق ينطفئ الضوء—ظلام على الهاوية وعلى كل ما فيها.
سُلب الضوء وأُثقل الظهر: الضغط الأحادي—وزن الماء «الجالس» عليكم—هائل. عند السطح نحو ضغط جوي واحد لا تشعرون به؛ كل عشرة أمتار يضاف جو آخر؛ عشرة أخرى وثقل آخر. في أعمق نقطة في خليج إيلات يبلغ الضغط نحو 187 كغ لكل سم² على الجسم—كالضغط داخل أسطوانة غوص مغلقة متينة.
والبرد؟ بينما أعماق المحيطات عادة باردة، أعماق إيلات تتمتع بحرارة مرتفعة نسبيًا للعمق—نحو 21°م. كيف؟ حوض صغير شبه مغلق، ماء يُقلّب، و«بواب» صارم عند المدخل—مضيق تيران—يسمح بمياه دافئة ويحدّ من البرد.
والطعام؟ الطاقة؟ في هذا الصحراء الأزرق لا ضوء للتمثيل الضوئي، لا طحالب متعايشة تجهز بوفيه كربوهيدرات كالشعاب الضحلة—فماذا تأكل؟ فتاتًا. معظم سكان الأعماق يعيشون على «ثلج بحري»—بقايا غذاء وطحالب وفضلات وجيف تتساقط من المياه المضيئة. لا تحتقروها—تلك الجزيئات العضوية تبقي النظام البيئي هناك. ومع ذلك… فتات.
الخلاصة: لا ترى شيئًا، تأكل فتاتًا، وعشرات الكيلوغرامات تضغط على كل سنتيمتر. يبدو قاسيًا—لكن التطور منحك حقيبة براءات اختراع لا يصنعها إلا الطبيعة.
بماذا يواجه أبطال الأعماق؟ بل بماذا لا يواجهون؟ لنبدأ بأول ما «تراه» في العمق—لا ترى. لا شيء. لا شيء. ظلام دامس. في المياه الضحلة تخترق أشعة الشمس؛ كلما تعمقت انطفأ الضوء—ظلام على الهاوية وعلى كل ما فيها.
قلتم براءة، قلتم إضاءة حيوية—«bios» حياة باللاتينية، «lumen» ضوء—معًا ضوء بيولوجي: ما يسمح للجندب بالومض لرسالة أو لإخافة مفترس. كيف؟ توهج من تفاعل بين لوسيفرين ولوسيفراز. طاقة ضوئية تقريبًا بلا حرارة—ضوء «بارد» لا يشوي الحيوان. أخذ الجندب الشهرة، لكن آخرين كثيرين يستعملون البراءة.
نحو ثلاثة أرباع سكان الأعماق—قشريات، حبّار، ديدان، أسماك، بكتيريا—معهم مصباح داخلي: جذب فريسة، إيجاد شريك، تمويه، تضليل مفترس. بياليك سمّى الجندب ووضعه في شعر؛ لم يكتب أحد قصيدة عن فانوس شتاينتس—سمكة سوداء لطيفة في الأعمق تشغّل مصباحها للصيد وتطفئه حسب الحاجة، بكتيريا تضيء تحت العين في جيب.

إن تحدثنا عن الفوانيس—برز آخر: عيون ضخمة. فانوس شتاينتس يحمل عيونًا تملأ نصف «الوجه»—عدسات ماكرو تلتقط أضعف وميض.
قرش إياغو أيضًا بعيون خضراء عملاقة للصيد بلا شمس—قضبان في الشبكية لرؤية ليلية. عندنا قضبان لكننا نريد ألوانًا نهارًا؛ إياغو حوّل شبكيته كاملة إلى كاميرا ليل فائقة الحساسية. حين زار الشعاب مؤخرًا ربما فاته لون السمك، لكنه يلتقط فوتونًا واحدًا من حبّار مضيء أو سمكة تومض على بعد عشرات الأمتار في سواد تام.

إن أحببتم الحواس الخارقة: الإحساس الكهربائي—قرش وشفنين وخيميرات وأسماك أعماق بمسامير دقيقة على الأنف تقرأ الحقول.
لماذا الحقول؟ كل نبض حياة يولّد تيارات ضعيفة—انقباض، نبضة. قرش إياغو في الظلام التام يجد العشاء أو الشريك. بعض الكائنات يشعر بنبض قلب عبر الرمل.
من يضخّم الرأس: شعاع بن طوبيا وشعاع فارسي طورد ظهرا في مسح إيلات-سيناء—أسماك كهربائية حرفيًا. عند التهديد أو الإغواء يصعقان عبر صفائح عضلية «تُشحن»—صفعة واحدة أو سلسلة صغيرة. من يحتاج ضوءًا مع كهرباء؟

سكان الأعماق يتأقلمون مع الضغط الهائل. الأنسجة الصلبة قد تتضرر، فيتفوّق الحبّار والقنديل الهلاميان. الأجسام الأشدّ تحمل آلية مدمجة—غلاف مرن، طبقات صامدة للصدمات، مفاصل مطاطية. قرش إياغو بغضروف رقيق مرن ينضغط بلا تشقق.

والمرجان؟ مع اختفاء الضوء يحلّ مرجان مرن محل المرجاني الحجر. «المرجان الأسود» بهيكل بروتيني مرن كمراوح من أسلاك لامعة. صُنع منها حلي وسبح.
الغورغونيات، سميت لا بلا سبب—بشعر الأفعى الأسطوري—مرجانية ناعمة ملوّنة تنثني مع التيار وتعود. في 2012 روبوت متقدّم سبر البحر الأعمق شمال البحر الأحمر 400–700 م فوجد غابات مرجانية—156 مستعمرة من سبعة أنواع—واحد أسود وثلاثة غورغونيات—دليل على ما قد نجده قبالة إيلات.


عن حمية الفتات: نفس «نصيحة الطبيب» التي تنفع هنا—حركة قليلة، لا إهدار، إيقاع حياة منخفض، نمو بطيء، عمر طويل. قليل الطعام فلا طاقة مهدورة.
المرجان العميق يعمل بخلاف الضحلة: لا طحالب دقيقة داخله (لا ضوء فلا طهاة). هنا الصيد: الأغصان تنشر، مخالب بوليبات كصنارة؛ الثلج البحري والجزيئات يحملها التيار إلى الأذرع؛ خلايا لاسعة تُشلّ الفريسة ثم إلى الفم.
كيف يتأقلم سكان الأعماق مع حمية الفتات المفروضة؟ غالبًا يتبعون نصيحة لن يعطيك إياها طبيب—لكن هنا تنفع: أقل حركة ممكنة، لا إهدار طاقة، استقلال منخفض، نمو بطيء، أعمار طويلة.

بعض سكان الأعماق يختارون الحجم—فم عريض وبطن كبير مرن ينفع إن فريسة غير فتاتية اقتربت.
ونجوم الحفل: قنفذيات الجلد—أشواك كما يدل الاسم. من الطاقم؟ خيار البحر، نجوم البحر، قنفذ بحر—ذوو أشواك بلاحقة «بحر». أتقنوا أسرار العمق.
«سحر إيلات» مثلًا قنفذ قلب: جسم غائر وفتحات صغيرة تناسب الفتات. يعيش في الرمل يحفر فيه فيهوّي القاع ويصفّي غذاءه ويصير وجبة دسمة لمفترس فوقه.

إذًا ماذا تعلّمنا؟ مبدعون ومتأقلمون؛ نمو بطيء «آمن»—إلا أن الأمان غير مضمون. الأعماق بعيدة—لكن الإنسان يصل ويتدخل.
شكل الخليج يجعل «الانزلاق» من الضحلة إلى العمق مسألة دقائق إبحار—قرب مبارك وخطير. التاريخ القريب يُظهر أن نفطًا وبلاستيكًا وصناعةً قد تُهرق فتدمر أهل الأعماق. لنواصل الرصد والمحميات—ليحتفظ البحر العميق بجماله ووظائفه.
إذًا ماذا تعلّمنا؟ مبدعون ومتأقلمون؛ يتبعون «التعليمات» وينمون ببطء وب«أمان»—إلا أن الأمان ليس مضمونًا. لأن النمو بطيء جدًا، الحساسية للضرر عالية، وبعد الخراب التجدد بطيء حتى مستحيل.
لقراءة إضافية
مسح الأسماك عام 1993
بحث مرجان المياه العميقة في شمال خليج إيلات:
كم نعرف القليل عن قاع البحر العميق

المحطة التالية
اكتشف منطقة التقاء البحر واليابسة، لقاءً مدهشًا بين الحياة البحرية والساحلية