القاع الرملي

اطلعوا على العالم الخفي تحت الرمل—موطن كائنات فريدة تكيّفت مع الحياة على قاع البحر

ابدأ التمرير

ماذا؟

بين بروز مرجاني وآخر—وفي أعماق البحر أيضاً—يمتد القاع الرملي، قليل الدعاية لكنه مهم وحاسم لكل كائن بحري. موطن القاع الطري هو ثاني أكبر نظام بيئي على الأرض، ومع مظهره البيج المسكّن هو مليء بالحياة.

أين؟

من المياه الضحلة إلى البحر العميق

من؟

خيار بحري أسود، قلم بحر منتصب، قنفذ بحر أشواكه طويلة، سرطان خجول، سلور منغروف، ديدان كثيرة الأهذة، وغيرها

لماذا هذا مفيد؟

يلعب موطن الرمال دوراً محورياً في دورة المواد اللامتناهية في النظام البيئي. وجوده ضروري لكل الحياة البحرية—في الشعاب وعشب البحر والأعماق.

التصوير: شادي سمارة

من يأتي إلى صندوق الرمل؟

تجدفون بالزعانف بين ناطحات سحاب الشعاب المرجانية. لا تملّون من الألوان والأشكال والإيقاع—يا للحياة هنا. في الانتقال من بروز مرجاني إلى آخر، تلقون نظرة إلى القاع. يمتد سطح رملي تحتكم، يميناً ويساراً رملٌ فقط، مقع طريّ نعسان ترك كل الحدث للشعاب. هنا وقذيفة، وهناك أثر خافت، وحقل تلال صغيرة. لا شيء يحدث.

على ما يبدو.

الصمت خادع، شيء يحدث تحت السطح… فجأة، في لحظة، ينهض من الغثاء «طائر الرمل»—قاروس بحري مغطّى بالرمل. الجسم القرصي المفلطح والذيل الرفيع يرتفع، يترك غباراً، يحوم فوق القاع و«يطيح» دودة ضائعة. أمتار قليلة تستيقظ القذيفة، تتحرك وتخرخر، تبرز ملاقط وأرجل، وقفز—سرطان ناسك يقفز، عيناه تتبعانه. وذلك الطقطقة في الخلفية—صنج لسرطان مستدير لم تلاحظوه لأنه يتلون مع الرمل. مجموعة أنقليس رفيعة تبرز فجأة من القاع، ولا شيء مقارنة بالليل حين يخرج سكّان الرمل من المخابئ ليعدّوا العشاء.

لا تدعوا الرمل يخدعكم—القاع الرملي نظام بيئي مزدحم ودافئ الحياة. من يأتي للعب في صندوق الرمل؟ سرطانات بلا عدد، ديدان، أسماك، حبّار، قنافذ، حلزونات، حلزونات بحرية ملوّنة، وكائنات تعلّمت تحدّيات الرمل.

مرحباً بكم في موطن الرمال—الأخ المغبّر الذي «لا يتفق معكم بصراً»—وكيف يتفق مع كل هذا الرمل؟

المقع الطري في خليج إيلات يتكوّن من شظايا مرجان مضغتها أسماك، وتفكّك هياكل عاش فيها سكّان الشعاب، ومزيج فريد من حبيبات نُحيت من جبال الصحراء حول الخليج. ضعوا رملاً من القاع تحت المجهر فسترونه غير متجانس—فسيفساء من أشكال وألوان.

أحد المكوّنات مثلاً «الفورامينيفيرا»—اسم لا يبهج، لكن الكائنات؟ جميلة. رقيقة كمرجان الحجر تبني هيكلاً جيرياً—وبعضها وقّع شراكة مع طحالب متعايشة. عند الموت تتبرّع بأجسادها للمقع. الرمل يتذكّر.

سكّان صندوق الرمل البحري ليسوا هنا فقط ليضعوا رؤوسهم على كثيب ويلعبوا طاولة الزهر. كل الحفّارين والنابشين وملوّحي الرمل يقدّمون خدمة بيئية رائعة للقاع: يحرثونه ويهوّونه، إلى جانب بكتيريا وحيوانات تفكّك وتخلط وتنقل المواد العضوية. الرمل ليس رملاً فقط—إنه صناعة تدوير كاملة تغذي كل كائن في البحر.

يُسهمون بأجسادهم في المقع. فورامينيفيرا من عدة أنواع في خليج إيلات، التصوير: شاي أورون

ثق بالرمل

بصراحة، الحياة هنا ليست سهلة. أولاً لا يمكن الاعتماد على الرمل—أي موجة، تيار عصبي، أو رفرفة زعنفة قد تسبب انهياراً وتهدم البيت الذي بُني للتو. بلا عمود فقري أو بقذيفة هشة ينتظركم المفترسون—سلورون، أسماك قاع، أنقليس أسنانها كالإبر. أين تختبئون؟ في الحبيبات؟ حبيبي، أنتم في صحراء مفتوحة؛ لا يمكنكم الاختباء بين أوراق عشب البحر أو الانزلاق إلى شق في جير المرجان—لا ملجأ محصّن ولا ملجأ جماعياً.

لستم فقط بدواً تعيدون بناء الخيمة كل مرة—لا خبزاً درزياً ينتظركم في الخان: الطعام على الرمل نادر ولزج، لا وجبات مجانية—تتعبون لقمة. القائمة رقائق عوالق بين الحبيبات، فضلات كائنات، وأجود المخلفات العضوية، فتحتاجون ملقطاً دقيقاً أو حيلاً مبدعة.

قبل الأكسجين—الأكسجين بالكاد يخترق عمق الرمل؛ إن وصل، البكتيريا بين الحبيبات تخطفه وتضعه فوراً في تفكيك المخلفات.

باختصار: السقف ينهار، الطعام ليس ممتازاً، لا مكان للاختباء، والأكسجين بالكاد يمر.

كيف تعيشون في هذا الرمل؟

الحفّارون

لا حاجة لأن تكونوا أينشتاين لتفهموا أن البقاء في موطن الرمل يتطلّب التخصص في الحفر—تحتاجون مأوى؟ احفروا. الحفر يعني ملاذاً من موجة شرسة أو جائعاً، وكثير من سكّان الرمل محفورون معظم الوقت. الدليل: تلال صغيرة على القاع—شهادة على مقاولي الحفر في البحر.

لديدان متعددة الأهذة الحفر أسلوب حياة. كل دودة، ولو ميليمتراً، جرافة. انظروا إلى الغليسيريدات—ديدان مرنة حمراء تحب القاع الطري. كل واحدة مهندسة أنفاق وصندوق أدوات: الرأس يمهّد طريقاً بين الحبيبات، ثم خرطوم بفكّين قويّين في الطرف—مرساة في الرمل، تسحب الجسم. ثم البطانة—مخاط يقوّي الجدران—فنفق جاهز للسكن. هناك تعيش وتصطاد من أساء الحي. الأنفاق تسمح بمياه مخوّضة.

الرمل يناسب الخجولين في العصابة—ماذا يريد الخجول سوى أن يدفن نفسه؟ لذلك سرطان البحر الأحمر الخجول سعيد في الرمل: يدفن نفسه بملاقط وأرجل ويترك عمودين للعينين فوق. يقضي معظم النهار هكذا. ملاقطه للأمام كأنها تغطي الوجه—في الحقيقة درع من الرمل. تفضّلوا يا سلور، نعم أنتم، تبحثون عن الطعام فوق—اعثروا على الصحن الرملي الخفي. بالتوفيق.

خجول هو خجول، لكن مع المحار يظهر الألفا ويفتحها كأن لا غد.

الرمل يناسب الخجولين في العصابة—ماذا يريد الخجول سوى أن يدفن نفسه؟ لذلك سرطان البحر الأحمر الخجول سعيد في الرمل: يدفن نفسه بملاقط وأرجل ويترك عمودين للعينين فوق. يقضي معظم النهار هكذا—لا نهاية لـ«الإطلالة». ملاقطه للأمام وكأنها تغطي الوجه—وفي الحقيقة هي درع من الرمل. تفضّلوا يا سلور، نعم أنتم، تبحثون عن الطعام فوق—اعثروا على الصحن الرملي الخفي. بالتوفيق.

جنة للخجولين. سرطان البحر الأحمر الخجول، التصوير: E. Morcel (نُقل عبر Philippe Boujon)
حظيت علاقتهما بمعالجة سينمائية. جمبري خانق وسمك مرافق بالتعايش، التصوير: شادي سمارة

إن حفرتم فكما في السينما. رابطة شبه الأعمى والسمك المرشد صُوِّرت كثيراً وانتشرت. البطل: جمبري خانق يحفر جحراً ويسكنه ويعيد الترميم—يكوم الرمل عند الفم ويدخل ويخرج لإخراج «الدور». المشكلة أنه بالكاد يرى الخطر. عند الفم يضع حارساً—سمكة قوبي: ليست مقاولاً لكن شريكاً صغيراً وفيّاً. تقف ترصد وتحذّر، والتواصل باللمس. مقابل الأمن تسكن مجاناً.

من اسمه الثاني حرفياً الحفر سمك الرمل: شريط داكن طويل وشارب كسالفادور دالي. الشاربان زوج شعيرات حسّية تساعده على الخدش والنبش وإيجاد الفريسة. الغيوم الرملية التي يثيرها مشهد مألوف.

التنقّل عن الطعام اسمه الثاني. سمك رملي (بارابيرسيس)، التصوير: شادي سمارة

المختبئون

حل آخر لصحراء الرمل البحرية التمويه—لون ونسيج يحاكيان الرمل. مثلاً سمك الفهد المفلطح: مسطّح منقّط، وعيناه فعلاً على ظهره. فيستلقي على الرمل يراقب مفترسيه وينصب كميناً لفريسه—أسماك صغيرة ولافقاريات.

بطل التمويه سمكة عقرب صغيرة. لا تتوسّخ يدها بالحفر—ليس أسلوبها—لكن لا تستهينوا. جسم ممتلئ بعُدْسات تتغيّر مع المقع. لماذا تحفرون وقد عندكم البيج المنقط وقوة خارقة ترون دون أن تُروا؟ فريسة تمرّ فيشفطها. مفترس يمرّ فالسم يختبئ في الزعانف.

يرى دون أن يُرى. سمكة عقرب، التصوير: شادي سمارة

وما هذا السجاد المستدير المغبّر؟ انجرف من الشاطئ؟ لا—سلور منغروف نصف مدفون وتمويه رائع. جسم دائري بني رمادي منقط وذيل لا يريد أحد مقاربته—فيه إبرة. سمك غضروفي كبير يريد شريطه اليومي—لكن ربما «الشريط» يحفر الآن. لا تقلقوا—للحسّ الكهربائي.

مثل كثير من أسماك الغضروف لديه مستشعرات دقيقة للحقل الكهربائي. كيف؟ كل كائن حي يولّد تيارات ضعيفة—انقباض عضلة، نبضة قلب. السلور وغيره يشعر بالمختبئ فينقض.

لمسة كهربائية. سلور منغروف، التصوير: شاي أورون

مُعالجو الأكسجين

حلّ سكّان الرمل أزمة الأكسجين بطرق مبتكرة. خيار بحري يُسمّى «الأسطوانة السوداء»—يشبه خيار البحر أو أسطوانة سوداء—مضخة مياه معروفة. يشفط ماء إلى الجسم، يستخلص الأكسجين، ثم يطرده. وهو يؤمّن الأكسجين يأكل أيضاً—أذرعه كمكانس تجمع المغذيات. الباقي يخرج أسطوانات رمل نظيف. إن رأيتموه على القاع قد لا تتخيّلونه مزارعاً متعرقاً—لكنه جرّار من جرّارات البحر. حرثه مهم للبيئة كالحرث في البرّ: تحريك الرمل يهوّي القاع ويدخل الأكسجين ويحافظ على الصحة.

مظهر أشعث—لكن لكل شوكة قصة. قنفذ بحر أشواكه طويلة، التصوير: Ria Tan

قنفذ الأشواك الطويلة لا يكتفي بنقص الأكسجين—هندست لنفسها تهوية جوفية محمولة. قدّموها: شائع في الخليج، كسائر القنافذ أشواك. مظهر أشعث، قبة غير أنيقة بأشواك—كلمتنا: لا تجرّبوا الأشواك بالقدم. كمحترفة تختفي في دقيقة تحتاج أكسجيناً هناك. ماذا تفعل؟ تحفر قناة عمودية كقشة سميكة يُشفط بها الماء. وبسرعتها في الرمل تبني القشة التالية وتترك القديمة لتصرف الماء. ككثير من سكّان الرمل تشفط الماء وتصفّي الغذاء—كميات رمل تمرّ بالجهاز الهضمي ويُستخرج منها غذاء عضوي.

تفضّلوا—اضعوا رأسكم على الكثيب

سكّان صندوق الرمل ليسوا هنا فقط ليضعوا رؤوسهم على كثيب ويلعبوا طاولة الزهر. اللوبنيا والخيار الأسود والسرطان الخجول وسائر الحفّارين والنابشين يقدّمون خدمة رائعة: يحرثون ويهوّون النظام مع بكتيريا وحيوانات تفكّك وتخلط وتنقل المواد العضوية. الرمل ليس رملاً فقط—صناعة تدوير تغذي كل البحر، بما فيها الشعاب المرجانية التي تحدّقون إليها.

مع أن القاع الطري ثاني أكبر نظام على الأرض، ومع أن الحياة البحرية تعتمد عليه، لا ينال الاهتمام العلني والعلمي الذي تناله «الإخوة». القاع الرملي مهدّد بالتطوير وبنى الشاطئ والتلوث وتسرّب السفن والنفايات والبلاستيك والنفط واستخراج الرمل وأنشطة بشرية. يجب حماية الرمل.

سكّان صندوق الرمل البحري ليسوا هنا فقط ليضعوا رؤوسهم على كثيب ويلعبوا طاولة الزهر. كل الحفّارين والنابشين وملوّحي الرمل يقدّمون خدمة بيئية رائعة لقاع البحر: يحرثونه ويهوّونه، إلى جانب بكتيريا وحيوانات تفكّك وتخلط وتنقل المواد العضوية. الرمل ليس رملاً فقط—إنه صناعة تدوير كاملة تغذي كل كائن في البحر.

تمويه يبلغ الغاية. سمك سحلية الشعاب، التصوير: شادي سمارة

لقراءة إضافية

خصائص موطن الرمال في خليج إيلات (الجانب الأردني)

التعايش الخاص بين الجمبري الخانق وسمك القوبي

تقارير برنامج الرصد الوطني — المعهد بين الجامعات

المحطة التالية

البحر المفتوح

اكتشفوا المساحات المفتوحة للبحر، موطنًا للأنواع المهاجرة ولحياة بحرية ديناميكية